بقلم حاجات جوايا
قاطعته ميار وهى تصرخ باكية واضعة يدها على فمه : متكملش يا محمد .. متكملش .. هيبقى كويس ان شاء الله .. انت ليه بتقول كده . دى اعراض طبيعية للفيروس اللى عنده .. التعب والقيء وكل ده طبيعى .. ليه المرة دى بتقول كده .. ما كل مرة بيحصل كده وبياخد علاج ويبقى كويس .. صح يا محمد .. صح ؟؟؟
محمد يربت على كتف ميار وهو يجيبها بإشفاق محاولا طمأنتها : أنا مقدر حالتك تماما .. ان شاء الله ميبقاش فيه حاجة وحشة .. احنا بس محتاجين نطمن عشان نلحق نتصرف
تبكى ميار بحرقة والخوف ينهش قلبها والأفكار تعصف برأسها وهى تدرك أن الامر أكبر كثيرا من مجرد اطمئنان وان هناك ما يَخفى عليها
ومن بين دموعها تسأل اخيها : هو كويس دلوقتى .. أقدر اشوفه
يجيبها محمد بنبرة لازالت متأثرة : احنا عملناله اللازم .. وهو نايم دلوقت .. ان شاء الله لما يفوق هيبقى احسن .. ادخلى اطمنى عليه بس لاحظى ان دى غرفة الانعاش .. يعنى خمس دقائق بس
تجفف ميار دموعها وهى تدلف لرؤية زوجها وقلبها لا يكف عن ترديد كلمة واحدة ... يااااارب
وفى الخارج يقف محمد ودعاء ينظرون الى ميار اثناء دخولها وهم يهمسون فى نفس الوقت .... يااااارب
.......................
ما إن انصرفت سلمى من بيت عبد العظيم .. حتى جلس هذا الأخير على مقعده الوثير الهزاز وارتسمت على شفتيه ابتسامة كبيرة .. لم يكن يتوقع أن مخططاته التي اعد لها في السجن كثيرا يمكن أن تتحقق في لمح البصر هكذا بل وتطرق بابه أيضا دون أن يبدأ هو في السعي وراءها .. كم حلم باليوم الذى يسترد فيه كل ما جمعه من اموال من شركة زوجته السابقة والتى خسرها كلها دفعة واحدة بمجرد اكتشاف ميار لتلاعبه فى اوراق الشركة .. ميار التى سيجعلها تندم أشد الندم على ما فعلت .. وسيذيقها عذاب الخمس سنوات التى قضاها خلف القضبان .. الغريب ان القدر ساق إليه سلمى التى لم يتعامل معها قبيل سجنه إلا أياما معدودات .. ولكن يبدو انها تحمل لميار معزة خاصة جدا وإلا ما كانت تحالفت معه هذا التحالف الشيطانى .. ختم عبد العظيم أفكاره بضحكة شريرة تصاعدت أصداؤها فى أنحاء شقته الكبيرة
............................
عادت هدى إلى بيتها ودموعها تسبقها .. أهذا احمد الذى كانت ترى فيه فتى أحلامها .. كم أحبته كثيرا فى البداية وهى تراه شابا طموحا ذو خلق ينم عن تربية عالية .. وأحبته أكثر وهى تشعر بمدى اعتزازه بشخصيته وكرامته .. فلم يتملقها يوما لكونها ابنة صاحب الورشة ولم يطمع فى شيء حتى عندما صارحته بحبها لم يستغل ذلك كما يمكن ان يفعل أى شاب فى مثل ظروفه ومكانه ... ربما تعجب البعض من حبها لأحمد وبدا فى نظرهم حب غير متكافيء خصوصا فى الماضى .. لكنها لم تعر لذلك ادنى اهتمام خاصة انها شهدت منه الكثير من المواقف التى وان لم تكن تدل على حبه لها فانها تدل على مدى شهامته ورجولته .. تذكرت يوم ان تعرضت لحادث تحرش من قبل بعض الشباب العابث اثناء ما كان احمد يعمل لديهم بالورشة .. وما كان منه إلا أن هب مدافعا عنها ومخلصا اياها من مضايقات هؤلاء الشباب ملقنا اياهم درسا فى الاخلاق لن ينسوه طيلة حياتهم .. تذكرت أيضا يوم ان أصيب والدها بقرحة فى المعدة من جراء الادوية التى كان يتعاطاها والتى سببت له نزيفا حادا احتاج خلاله لنقل دم .. فما كان من احمد إلا أن قام بالتبرع له بدمه ولم يكتف بذلك بل أخذ يبحث عن متبرعين طوال الليل رغم ان سفره كان صبيحة اليوم التالى
تنهدت من بين دموعها وهى تهمس لنفسها هذا هو أحمد الذى أعرفه .. الذى احبه .. لكن الذى أراه الآن شخص آخر لا يهتم بأحد سوى بنفسه وزيادة رأس ماله على حساب أى شيء.. حتى زواجنا يعتبر انه دين عليه وواجب وليس لانه يحبنى ... ليتنى ما احببته كل هذا الحب .. ليتنى ما انتظرته كل هذا الوقت .. أضعت الكثير من حياتى مع من لا يقدر مشاعرى .. لكننى لن اُضع المزيد بعد الآن وسأعفيه من دينه الذى يريد ان يرده لى بالزواج .. ثم اجهشت بالبكاء
....................
اقتربت ميار من الفراش الممدد عليه زوجها فى غرفة الانعاش وهى تغالب دموعها وكلها خوف مما يخفيه لها القدر .. خائفة عليه بحق .. هذا الزوج الحبيب .. والد ابنها الوحيد .. رفيق دربها .. وسندها فى حياتها .. كم تبدو هشة ، ضعيفة بدونه .. ميار القوية تلاشت أمام مرضه وباتت أكثر ضعفا وخوفا .. وأكثر دموعا وهى التى لم تعتد البكاء لكنها اليوم ومنذ شجارهما الأخير عندما آلمها بكلماته وهى تشعر انها لا تقف على ارض صلبة كما كانت تشعر دائما .. حقا لقد اعتذر اليها لكن اعتذاره جاء مع سقوطه فلم تفرح به بقدر ما غلبها الخوف عليه والرغبة فى الارتماء تحت قدميه معترفة له انها لا تحمل فى قلبها نحوه الا كل الحب .. وكل الاخلاص
رنين هاتف ميار ذكرها أنها لا زالت فى غرفة الانعاش وانها نسيت ان تغلقه قبل دخولها فخرجت مسرعة من الغرفة لترد بعيدا عن زوجها النائم كى لا تزعجه لتجد ان المتصل هو عبير زوجة اخيها محمد
عبير : أخبارك ايه يا ميار واخبار طارق ايه.. عامل ايه دلوقت
ميار : الحمد لله يا عبير بخير .. هو نايم دلوقت ... انا مش عارفة ماله والله .. محمد مش عايز يقوللى حاجة .. انا خايفة اوى يا عبير .. خايفة يكون فيه حاجة وحشة لا قدر الله ومحمد مخبى عليا
عبير : متقلقيش يا ميار ان شاء الله خير .. انتى عارفة المرض ده صعب وله مضاعفات بس ان شاء الله ميكونش فيه حاجة خارجة عن سيطرتنا الطبية .. ربنا كبير .. ادعيله انتى بس واهدى شوية عشان ابنك ميشوفكيش كده .. هو اياد فين دلوقت ؟؟
ميار : انا كلمت البيبى سيتر اول ما جيت هنا وقولتلها توديه عند ماما وتفضل معاه لغاية ما نشوف الموضوع هيطول قد ايه .. هروح اطمن عليه كمان شوية وارجع تانى .. وربنا يطمنا ويجيب العواقب سليمة يارب
عبير : يارب يا ميار .. لو احتاجتى اى حاجة كلمينى وانا هتابع الحالة مع محمد باستمرار وان شاء الله خير
ميار : متحرمش منك يا عبير .. انا همشى مع دعاء دلوقت واروح اطمن على اياد وارجع تانى يارب يكون بقى احسن
عبير : ان شاء الله يا حبيبتى .. اسيبك فى رعاية الله
ميار : فى رعاية الله .. مع السلامة
تلقى ميار نظرة اخيرة على زوجها من خلف الواجهة الزجاجية لغرفة الانعاش .. وتهم بالانصراف متجهة نحو حجرة اخيها الدكتور محمد لاصطحاب دعاء والمغادرة
..............................
أخيرا تذكر احمد أن يتصل بهدى بعد ان انهى مقابلاته مع المصممين والمهندسين الذين ذهب للقائهم بعد انصراف هدى مباشرة من الكافيه .. حقا انه تعجب من غضبها لكنه لم يكن لديه الوقت لمحادثتها قبل الان .. حتى عندما علم من والدته عما حدث لطارق لم يستطع الا ان يقوم بعمل مكالمة موجزة جدا مع ميار أثناء ذهابها لمنزل والدتها للاطمئنان عما وصلت اليه الامور .. لماذا تعامله هدى دائما كأنه غير مهتم بها .. وبمن يهتم اذا .. لمن يفعل كل ذلك .. أليس من أجلها هى .. من أجل أن يكون جديرا بها .. عجيب أمر البنات هذا .. لا يفكرن إلا فى الحب والعاطفة وكأنه وحده من يجعل الإنسان يأكل ويشرب ويحيا حياة كريمة بدون مال ولا جاه ولا شيء يتم الاستناد اليه لضمان العيش الكريم
أخذ موبايل هدى يرن ويرن كثيرا جداااا وهى تنظر اليه وتعلم من النغمة المخصصة ان المتصل هو احمد .. لكنها قررت عدم الرد عليه .. ستهمله كما يهملها .. ولتر ماذا سيفعل ؟؟ فإما ان يثبت لها انها لم تسيء الاختيار .. وإما أن تَثبت على موقفها بالبعد عنه .. أما الآن فالقرار مؤجل – بأمر من قلبها – حتى ترى قيمتها لديها
............................
عادت ميار الى زوجها -- بعد أن اطمأنت على صغيرها اياد واشرفت على عشاؤه وخلد للنوم بين احضانها بعد قليل من التدليل والملاطفات حاولت فيها بقدر المستطاع ان تبدو طبيعية كى لايشعر الصغير بما يؤرقها – لتجد زوجها ما زال يرقد تحت تأثير المخدر
ليلة رهيبة قضتها ميار بمفردها فى المشفى الراقد فيها زوجها .. لم تذق للنوم طعما ولم تغمض لها عين ولو على سبيل الاسترخاء حتى .. كانت الأفكار والمخاوف تطاردها وخاصة بعد حالة التدهور الصحى الذى ألم بزوجها بعد منتصف الليل والذى احتاج فيه لعناية فائقة ونقل كميات كبيرة من الدم .. استطاع أن يوفرها لها أخيها من خلال معارفه فى بنك الدم وبصفته الشخصية كطبيب معالج .. وهذا فى حد ذاته انجازا .. فلولا وجود أخيها الذى يسره لها الله لهذا اليوم لذاقت الأمرين فى الحصول على الدم المطلوب
فى الصباح اتصلت ميار بوالدتها وهى فى قمة الانهاك لتطمئن على صغيرها ولترى ان كان ذهب إلى حضانته أم لا .. فطمأنتها والدتها بأن كل شيء يسير على ما يرام وانه استيقظ وذهب فى موعده تماما .. لكن الغريب انه بعد ساعات قليلة تلقت ميار مكالمة من معلمة اياد تتساءل فيها عن سبب غيابه وعدم حضوره الى الحضانة اليوم
لتصرخ ميار عبر الهاتف .. ايييييييه .. اياد مجاش .. انتى بتقولى ايه .............؟
بقلم أبو ريان